عرض مشاركة واحدة
    #7 (permalink)
jera7 al3shaq
شبابي جيد
افتراضي 11-22-2006, 08:31 AM


اعتبرها ياقوت الحموي أحسن بلاد الساحل وشبهها ابن جبير بالقسطنطينية

عكا : بوابة فلسطين على العالم




تسير في عكا الجديدة, المبنية حديثاً خارج السور, يبهرك معمارها وشوارعها الفارهة النظيفة, حدائقها الجميلة, واجهات محالها التجارية والحركة الدائمة. يلفت نظرك الأطفال وهم يغادرون مدارسهم أسرابًا بلباسهم الأنيق المرتب, يتدفقون حيوية ونشاطًا. هذا هو الشق اليهودي من المدينة.

تدلف الى عكا القديمة داخل السور, يرافقك عبقها التاريخي الفريد, وكأن لا مثيل لهذه المدينة على وجه الأرض. فعكا المدينة الفلسطينية التي صمدت أمام تقلبات الدهر, وكانت لقرون طويلة بوابة فلسطين على العالم الخارجي, وشكل ميناؤها حلقة وصل بين الشرق والغرب, التفت اليها الطامعون وعرف قيمتها العسكريون, فبطشوا بأهلها ونكلوا بهم خوفًا على سلطانهم وتمسكًا بها كموقع استراتيجي مهم.

تواجهك القوارب في الميناء, وتشم رائحة البحر, فلعكا سحرها الخاص وبحرها الخاص, تجنبك ضحامة وعلو أبنيتها, لكن سرعان ما يتلاشى هذا الانطباع, فتصدمك بيوتها المتهدمة وشوارعها المهملة, وتشعر في أجزاء كثيرة منها كأنك تسير بين خرائب, هذا هو الشق العربي.

أخيرًا أعلنت بلدية عكا أن المدينة القديمة ستتحول الى "مدينة سياحية", وعليه أصبح تصليح البيوت وترميمها أمرًا غير مصرح به, وعلى أهلها العرب البالغ عددهم عشرة آلاف نسمة مغادرتها, بدأ مخطط تفريغ عكا من سكانها الفلسطينيين العرب في السبعينات, حيث سعت السلطة الى تهجير أهلها وتوطينهم في القرى العربية المجاورة لكن المحاولة لم تفلح. فعكا اليوم تعاني وتختنق من التمييز, ومشاهدة وضعها يحدث غصة في القلب, فلا مدارس كما يجب ولا عمل ولا سكن, بالاضافة الى أن جزءاً من المدينة أصبح وكرًا لعالم الفساد والجريمة والمخدرات, فسكانها العرب يصارعون من أجل البقاء على ارضهم وحافظاً على بيوتهم.

قال لي أبو حسن أحد صيادي السمك القدامى: "أنا شيخ مسن, عملت في البحر طيلة حياتي, ورثت هذه المهنة أبًا عن جد, فكيف لي أن أترك عكا؟ لقد كنت "أغز راس" عندما كنت شابًا, تمامًا كما ترين أمامك هؤلاء الفتيان الذين يقفزون من أعلى السور الى البحر, هكذا فعل أولادي والشيء نفسه يفعله أحفادي الآن فكيف لي لآن أحيا بعيدًا عن البحر؟ من المستحيل أن أفعل لك. أقف كل صباح واقول لنفسي: ربي ألهمني الصبر لرؤية شعبي يتعذب, فسور المدينة يشكل حاجزًا نفسيًا بالنسبة لي. صحيح أنني راض بأي ظروف شرط البقاء في عكا, لكن هذا ظلم وغبن لحقوقنا, فداخل السور يعيش العرب في العصور الوسطى وخارجه يعيش اليهود وهم مقبلون على القرن الحادي والعشرين, ينظرون الى أهل عكا العرب اعلى أنهم يشوهون المدينة, فهل من الصعب ان تصبح عكا سياحية وأهلها يعيشون على أرضها؟ّ! هذا إجحاف في حقنا كشعب.

رغم ذلك ما زالت عكا الى اليوم تحتل مكانة خاصة في قلب المحبين والعرائس والعرسان من الشباب الفلسطيني الذين يأتون خصيصًا لقضاء وقتهم فيها ليلتقطوا لأنفسهم صورًا تذكارية على شاطئها, ويتنزهون في قواربها أو يجلسون في مطاعمها التي اشتهرت بأطباق السمك الطازج, فكان من أشهرها وما زال منذ ما قبل عام 1948 مطعم "أبو خريستو" لصاحبه الفلسطيني من أصل يوناني والوقائع على الشاطىء تمامًا هوالذي أصبح معلمًا لا بد من زيارته لكل من دخل المدينة

عكا والتاريخ

حظ المدن كحظ الأفراد أحيانًا, فترى الجميلة من الناس تحظى بما تريد لجمالها ليس غير. وترى جميلة أخرى تشقى ويتعس حظها بسبب جمالها أيضًا. فعكا التي تعس حظها عبر مراحل تاريخها المختلفة وتقلبها على أيدي فاتحيها والغزاة, هي واحدة من أقدم مدن العالم, وصفت بأنها كنعانية, احتلها الفراعنة في عهد تحتمس الثالث ورمسيس الثاني, وحكمها الفرس في القرن السادس قبل الميلاد, ثم احتلها الرومان حتى جاءت الفتوحات الأسلامية في القرن السابع الميلادي, وما لبثت أن سقطت في أيدي الصليبيين الذين خربوها في البداية ثم جعلوا منها عاصمة لهم ,أداروا من داخل أسوارها دفة حروبهم مع العرب والمسلمين. حتى حررها صلاح الدين فهزم الصلبيين وملكهم ركاردوس الملقب بقلب الأسد في معركة حطين الفاصلة عام 1187م.

لعبت عكا دورًا رئيسيًا في تاريخ فلسطين والمنطقة سواء في عهد المماليك أو في فترة الحكم العثماني. ففي بداية القرن الثامن عشر حاول نابليون اقتحامها فارتد على أعقابه مهزومًا أمام أسوارها الحصينة, مخلفًا وراءه التل الذي يحمل اسمه الى اليوم "تلة نابليون" والذي بناه الجنود الفرنسيون مسخرين عنوة سكان القرى الفلسطينية القريبة ليقف نابليون فوقه يرقب عكا ويشرف على حصارها.

لم تر عكا فترة راحة أو رخاء كالتي شهدتها خلال الفترات الإسلامية العربية, سواء القديم منها أو الحديث. فعكا ترتاح دائمًا بين الأيدي العربية والإسلامية. خضعت للحكم الإسلامي في القرن السابع الميلادي, فأمر معاوية بترميم ما كان مهدمًا منها وبنى فيها أسطولاً وأبحر منها إلى غزة وقبرص. وفي عهد عبد الملك بن مروان وابنه هشام ازدهرت وبنى فيها الأخير قصرًا فخمًا.

أما نهضة عكا الحقيقية فكانت في عهد ضاهر العمر الزيداني (1695-1782), الذي ثار على الباب العالي وأقام دولة مستقلة امتدت من صيدا شمالاً حتى نابلس في الجنوب. وجعل من عكا عاصمة له وقسم باقي أجزاء دولته على أولاده, فبنى فيها قصرًا ومسجدًا وانتعشت في عهده زراعيًا وصناعيًا وتجاريًا.

كان ضاهر العمر, وهو فلسطيني أصله من قبيلة الزيادنة في الطائف في الجزيرة العربية, ألمع شخصية في الشرق خلال تلك الفترة, تحالف مع علي بك الكبير حاكم مصر في حينه واجتمعا على عصيان الدولة العثمانية. فخدعه الباب العالي بإصدار مرسوم بالعفو عنه, في حين تم الإيعاز لأحد أتباعه باغتياله رغم عمره الذي تعدى الثمانين. وبذلك انتهت أكثر فترات عكا رخاء وتسامحًا.


  رد مع اقتباس
 
3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 64 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 88 89 90