11-18-2007, 02:24 PM
حـقـوق الإنـســـان
وثالث الشعارات التي ترفعها أميركا والغرب، ويَعملان على حـمل المسلمين على أخذها وتبنّيها «حقوق الإنسان». وهذا الشعار له بريق أخّاذ في عيون الكثير من المسلمين، بسبب ما يلاقونه على أيدي حكامهم العملاء من ظلم وبطش واضطهاد.
وأصل هذه الحقوق نظرة المبدأ الرأسمالي لطبيعة الإنسان، وللعلاقة بين الفرد والجماعة، ولواقع الـمجتمع، ووظيفة الدولة. ففي نظرته لطبيعة الإنسان، يَرى هذا المبدأ أن الإنسان بطبيعته خيّر وليس شريراً، وأنّ الشر الذي يصدر عنه سببه تقييد إرادته. ولذلك ينادي الرأسماليون بإطلاق إرادة الإنسان حتى يعبّر عن طبيعته الخيّرة. ومن هنا نشأت فكرة الحريات التي أصبحت أبرز أفكار المبدأ الرأسمالي.
أما بالنسبة للعلاقة بين الفرد والجماعة، فالرأسماليون يقولون إنها علاقة تناقُض، ولذلك لا بد من حـماية الفرد من الجماعة، وتأمين حرّياته وحـمايتها. فعلى عكس ما كان سائداً إبّان عهد الإقطاع من أن مصلحة الجماعة مقدَّمة على مصلحة الفرد، قال الرأسماليون بتقديم مصلحة الفرد، وجعلوا وظيفة الدولة الأساسية تأمين هذه المصلحة وصيانتها.
وفي نظرتهم للمجتمع قالوا إنه مجموع الأفراد الذين يعيشون فيه، فإذا ما تمّ تأمين مصالح الفرد، تأمَّنت مصالح الـمجتمع بشكل طبيعي.
والصحيح أن كل مل قال به الرأسماليون بشأن الإنسان وطبيعته والعلاقة بين الفرد والجماعة، وواقع الـمجتمع، ووظيفة الدولة، كله خطأ في خطأ.
فالإنسان بطبيعته ليس خيّراً، كما يقول الرأسماليون، وليس شريراً كما كانت تقول الكنيسة نقلاً عن فلسفات قديمة قامت على أساس أن الإنسان وارث لخطيئة آدم.
والنظرة الصحيحة لطبيعة الإنسان هي أنه لديه غرائز وحاجات عضوية تتطلب الإشباع. وبفضل ما وهبه الله من عقل، صارت لديه الإرادة ليختار الطريقة التي يُشبع بها غرائزه وحاجاته. فإنْ أشبعها بطريقة صحيحة يَفعل الخير، وإن أشبعها بطريقة خاطئة أو شاذة يَفعل الشر. فالإنسان بذلك مهيَّأ بطبيعته للخير والشر معاً، وهو الذي يختار الخير أو الشر بإرادته. وهذه هي النظرة التي يقول بها الإسلام، والتي بيّنها سبحانه وتعالى بقوله: ]وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاها فَألْهَمَها فُجورَها وتَقْواها[؛ وقوله ]وَهَدَيْناه النَّجْدَيْن[؛ وقوله ]إِنَّا هَدَيْناه السَّبيلَ إمَّا شاكراً وإمَّا كَفوراً[.
كذلك فإن طَرْح العلاقة بين الفرد والجماعة علىأنها علاقة تناقُض وتصادُم هو طرح خاطئ، سواء قال به الرأسماليون الذين قدَّموا مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة، أو قال به سَدَنَة نظام الإقطاع الذين نادوْا بذوبان مصلحة الفرد في مصلحة الـمجموع (الجماعة)، أو قال به الاشتراكيون الماركسيون الذين جعلوا الفرد مجرد سِنّ في دولاب الـمجتمع.
والعلاقة الصحيحة هي كما صَوَّرَها الإسلام من أنها علاقة عضوية وعلاقة تكامل، وليست علاقة تناقُض. فالفرد جزء من الجماعة مثلما أن اليد جزء من جسم الإنسان. وكما أن الجسم لا يستغني عن اليد، فإن اليد لا قيمة لها إذا انفصلت عن الجسم.
والإسلام جَعل للفرد حقوقاً وللجماعة حقوقاً، وهذه الحقوق ليست متضاربة ولا متناقضة بل متكاملة. كما رتَّب على كل منهما واجبات تجاه الآخر، وأناط بالدولة تأمين التوازن بين الطرفين بحيث لا يطغى أي منهما على الآخر. فكل منهما يجب أن ينال حقوقه ويؤدي واجباته. وليس هناك ما هو أروع في وصف العلاقة بين الفرد والجماعة مما قاله الرسول r: «مَثَلُ القائِمِ على حُدودِ الله والواقِعِ فيها كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا على سفينةٍ فأصابَ بعضُهُم أعْلاها وبعضُهُم أسفلَها، فكان الذين في أسفلها إذا اسْتَقوْا من الماء مَرّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنّا خَرَقْنا في نصيبِنا خَرْقاً ولم نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فإنْ يتركوهم وما أرادوا هَلَكوا جميعاً، وإنْ أخَذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجَوْا جـميعاً».
أما قول الرأسماليين بأن الـمجتمع ما هو إلا مجموع الأفراد الذين يعيشون فيه فهو مجانِب للصواب. فالمجتمع ليس مجموع الأفراد الذين يعيشون فيه، وإنما هو هؤلاء الأفراد والأفكار والمشاعر السائدة بينهم والنظام المطبَّق عليهم. أي هو أفراد بينهم علاقات دائمة. فرُكّاب سفينة أو قطار ليسوا مجتمعاً حتى وإن بلغوا الآلاف، في حين يشكّل سكان قرية صغيرة مجتمَعاً حتى لو لم يتجاوز عددهم المئات.
وبهذا يتبين خطأ المبدأ الرأسمالي في فهم واقع الـمجتمع، وخطؤه في فهم طبيعة الإنسان، والعلاقة بين الفرد والجماعة. أما خطؤه في فهم وظيفة الدولة فهو أكثر وضوحاً. فالدولة ليست وسيلة لتأمين مصالح الفرد وحـمايتها فقط، بل هي الكيان الذي يَرعى شؤون الفرد والجماعة والـمجتمع ككل داخلياً وخارجياً وفق نظام معيَّن يحدِّد حقوق الجميع وواجباتهم، إضافة إلى حمل رسالتها للعالم، إذا كانت لها رسالة إنسانية، أي تصلُح للإنسان بوصفه إنسَاناً بغض النظر عن أي اعتبار آخر.
والخلاصة أن نظرة المبدأ الرأسمالي لطبيعة الإنسان، وللفرد ولعلاقته بالجماعة التي ينتمي إليها، والـمجتمع الذي يعيش فيه، ولدور الدولة في تأمين مصلحة الفرد وحـمايتها، جعله ينادي بتأمين أربع حريات لهذا الفرد: حرية العقيدة، وحرية الرأي ، وحرية التملك، والحرية الشخصية.
وهذه الحريات هي الأساس الذي انبثقت عنه «حقوق الإنسان»، وهي أُس البلاء في الـمجتمعات الرأسمالية، التي تحوّلت بسببها إلى غابات وحوش يَأكل القوي فيها الضعيف وينحدر فيها الإنسان إلى درك الحيوان، نتيجة لإطلاق العنان لغرائزه وحاجاته العضوية.
فالناس في الـمجتمعات الرأسمالية أشبه بالبهائم، همّهم التمتع بأكبر قسط من المتع الجسدية، الأمر الذي يعتبره المبدأ الرأسمالي قمة السعادة، رغم أن الحقيقة هي أن هذه الـمجتمعات لا تعرِف للسعادة طعماً، بل يَعُمّها الشقاء والاضطراب والقلق الدائم.
|