11-18-2007, 02:26 PM
حريـــة العـقـيــــدة
وهم يَعْنُون بحرية العقيدة أن للإنسان الحق في أن يؤمن بأي مبدأ وأي دين، وأن يكفر بأي دين وأي فكرة، وله أن يبدّل دينه، وله أن لا يؤمن بدين على الإطلاق.
ويزعم بعض أبواق الكفار من الـمحسوبين على المسلمين أن حرية العقيدة التي ينادي بها الرأسماليون لا تتناقض مع الإسلام، ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى ]لا إكراه في الدين[، وبقوله ]فَمَنْ شاء فَلْيُؤْمِن ومَن شاء فَلْيَكْفُر[، متعمّدين تجاهل موضوع النصّين، إذ أن الخطاب في النصّين محصور موضوعه في الكفار. فالمسلمون لا يجوز لهم إكراه كافر على الإيمان بالإسلام، كما أن للكفار أن يؤمنوا بالإسلام أو لا يؤمنوا به، فلن يكرههم المسلمون على الإيمان بالإسلام. غير أن هذا الخطاب لا ينطبق على المسلمين، لأنهم ليسوا مخيَّرين بعد أن أسلموا في أن يَكفروا ويَرتدّوا عن دينهم. وحُكْم المسلم المرتد أن يُستَتاب فإذا أصرّ على الكفر يطبّق عليه الحد ويُقتل، وذلك تنفيذاً لقول الرسول r: «مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فاقْتُلوه».
فحرية العقيدة لا وجود لها بالنسبة للمسلمين، بل هم مُلزَمون باعتناق عقيدة الإسلام. ولا يجوز لمسلم أن يعتنِق أية عقيدة أخرى، سواء كانت هذه العقيدة عقيدة دين سماوي آخر كاليهودية أو النصرانية، أو كانت عقيدة مبدأ آخر كالرأسمالية أو الاشتراكية، أو كانت أية عقيدة لأي دين أو أي فكرة ما دامت ليست عقيدة الإسلام.
ومن الواضح أنه لا يجوز لمسلم أن يقبل بحرية العقيدة التي ينادي بها الرأسماليون، بل يجب عليه أن يرفضها ويتصدى لمن ينادي بها.
حـــريـــة الـرأي
أما حرية الرأي فهي تعني عند الرأسماليين أن للإنسان الحق في أن يقول ويُعلِن أي رأي في أي شيء وأي أمر دون قيود.
وهذه الحرية لها جاذبيتها عند بعض المسلمين، نتيجة لعيشهم في دول قمعية (بوليسية) تَمنع أي شخص من أن يقول برأيه إذا كان يخالف رأي الحاكم، حتى لو كان رأيه هذا مستمَداً من الإسلام، بل حتى لو كان ما يقوله آية قرآنية أو حديثاً شريفاً، ما دام مضمون الآية أو الحديث يناقِض رأياً يقول به الحاكم، أو سياسة يَتْبَعها، لدرجة أن أحد حكام المسلمين أمر أجهزته القمعية بنزع آيات وأحاديث عن جدران المساجد والأماكن العامة وتمزيقها لـمجرّد أنها تبيّن حقيقة اليهود كقوله تعالى ]لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَداوةً للذين آمَنوا اليَهودَ والذين أشْركوا[.
غير أن ما يعانيه المسلمون من جَوْر الحكام، واستبدادهم، وتجاوزهم لحدود الله، لا يبيح لهم (أي للمسلمين) أن يَقبَلوا بما يُغضِب الله.
فحرية الرأي عند الرأسماليين لا تقتصر على ما يتصل منها بمحاسبة الحاكم، أو انتقاد تصرّفات السياسيين وغيرهم، وإنما تشمل كذلك حرية الجهر بالكفر، وإنكار وجود الله، والدعوة لأية فكرة حتى لو كانت تناقِض العقيدة الإسلامية، أو تخالف الأحكام المنبثقة عنها، كالدعوة والدعاية لما حَرَّم الله من ربا وميسر وخمر وزنا وشذوذ جنسي، ولكل ما من شأنه أن يهدم القيم الإسلامية التي أمر الله بالتمسك بها وصيانتها.
فحرية الرأي تعني السماح للعملاء والمنافقين والفجّار وأعداء الإسلام بالدعوة ضد الإسلام ولهدم كيان الأمة وتمزيقها إلى قوميات وأقطار وطوائف وفئات، وما إلى ذلك من دَعَوات تقوم على عصبيات دعا الإسلام لنبذها، وحرّم على المسلمين المناداة بها، ووصفها الرسول r بأنها منتِنة؛ كما تعني السماح لهم بالدعوة لأفكار الكفر التي تروِّج لانحلال النساء، والرذيلة، والفساد، وتقويض قيم الشرف والعرض. ويكفي أن يتذكر المرء ما سمحت به هذه الحرية للمرتد سلمان رشدي من أن يقوله بحق الرسول r وأمهات المؤمنين، ليدرك إلى أي مدى تصل هذه الحرية عند الرأسماليين.
صحيح أن الإسلام أباح للمسلم أن يقول برأيه في كل شيء وكل أمر، ولكنه قيّده بأن يكون رأيه هذا منبثقاً عن العقيدة الإسلامية أو مبنياً عليها، وضِمْنَ ما أباح الإسلام الخوض فيه. فله أن يقول بأي رأي ولو خالف رأي الخليفة وما يتبنّاه، ولو خالف رأي معظم المسلمين، شريطة أن يكون رأيه هذا مستنداً إلى دليل من الشرع، أو ضمن حدود الشرع. بل إن الإسلام أوجب على المسلم أن يقول برأيه، ويحاسِب الحاكم إذا ظلم أو قال أو أمر بما يُغضِب الله، بل وجعل عمله هذا في مستوى الجهاد في سبيل الله حيث يقول الرسول r: «سَيِّدُ الشهداءِ حـمزة بن عبد المطّلِب ورجل قام إلى إمام جائر فأمَرَه ونهاهُ فقتله».
غير انه لا يجوز لمسلم أن يقول برأي يخالف الإسلام سواء كان مخالفاً للعقيدة الإسلامية أو لما ينبثق عنها. فلا يجوز له أن يدعو لما تُسمّى حرية المرأة، ولا للقومية، ولا للوطنية أو القطرية وما شاكلها، ولا أن يدعو لمبادئ الكفر كالرأسمالية والاشتراكية، ولا لأية فكرة تتناقض مع الإسلام.
وعلى هذا الأساس، لا يجوز للمسلمين أن يَقبَلوا بما يدعو إليه الرأسماليون من حرية الرأي. فكل ما يصدر عن المسلم مقيَّد بالشرع، والرسول r يقول: «مَنْ كانَ يُؤمِنُ بالله واليوم الآخر فَلْيَقُلْ خَيْراً أو لْيَصْمِتْ»، والخير هو الإسلام، أو ما يُقِرُّه الإسلام. ونَهى الإسلام معتنقيه حتى عن الميل لما يخالف الإسلام حيث يقول الرسول r: «لا يُؤْمِنُ أحدكم حتى يكون هَواهُ تَبَعاً لما جئت به».
حــريـــة التـمـلّـك
وأما حرية التملك، فيَقصد بها الرأسماليون أن للإنسان الحق في أن يتملك ما يشاء كما يشاء، وأن يتصرف بما يملك كما يشاء، شريطة أن لا يتعدى في ذلك على حقوق الآخرين، أي التي يعتبرها النظام الرأسمالي حقاً لهم.
وهذا يعني أن للإنسان أن يتملك كل شيء، ما أحَلّ الله تملكه وما حَرّم، وله أن يتصرّف بما يَملك كما يشاء، سواء تقيَّد في ذلك بأوامر الله ونواهيه أو لم يتقيّد.
فللفرد أن يتملك وفق هذه الحرية ما هو من ملكية الجماعة كآبار النفط ومناجم المعادن التي بمثابة الماء العِدّ، وشواطئ البحار والأنهار، والماء الذي تحتاجه الجماعة، وما إلى ذلك. وله أن يتملك ما هو حلال كالدار والبستان والدكان والمصنع، وله أن يتملك ما حرّم الله تملّكه كالخمّارة، والمصرف الربوي، وحظيرة الخنازير، ودار البغاء، وصالات القمار، وغير ذلك مما لا يجوز تملكه.
وله أن يكسب المال أو ينمّيه بالحلال كالميراث، وهبة الغير له، والتجارة، والصيد، والزراعة، والصناعة. وله أن يَكسِبه وينمّيه بالحرام كالميسر، والربا، وتجارة الخمر، والمخدرات، وبكل وسيلة أخرى محرَّمة. ومن الواضح تناقض حرية التملك على هذا النحو مع الإسلام، وبالتالي حُرْمَة القبول بها من جانب المسلمين.
ونتيجة لتبني الـمجتمعات الرأسمالية لهذه الحرية، عَمَّتْها آفات لا حصر لها. فقد انتشرت فيها الرذيلة، وظهرت ما تُسمّى الجريمة المنظَّمة (المافيا)، وسادت الأنانية وتفككت عُرى الروح الجماعية، وهيمنت الأثَرة بدل الإيثار، وتفشَّت أمراض مخيفة نتيجة لترويج كل شيء سواء كان ينفع الناس أو يضرّهم كالمخدرات وغيرها.
ونتيجة لهذه الحرية تركزت الثروات الهائلة في أيدي حفنة من الناس يسمّوْن بالرأسماليين، الذين تحوّلوا بفضل ثرواتهم إلى قوة مهيمنة تتحكم بالـمجتمعات والدول في سياساتها الداخلية والخارجية، والذين أخذ النظام الرأسمالي منهم اسمه، من باب وصف الشيء بأبرز ما فيه. وصار بعض هؤلاء الرأسماليين من أصحاب مصانع الأسلحة تجارَ حروب يَزُجّون دولهم أو الدول التي لهم فيها نفوذ في حروب ليس لشعوبها فيها ناقة ولا جمل، هَمّهم في ذلك الأرباح التي تعود عليهم من تجارة السلاح، بغض النظر عن الدماء التي تُسفَك في سبيل إنعاش هذه التجارة، أو المآسي التي تخلّفها.
|