11-18-2007, 02:27 PM
الحـريـــة الشـخـصـيـــة
والحرية الرابعة التي يدعو لها النظام الرأسمالي ويعمل لتحقيقها وصيانتها هي الحرية الشخصية. وهي تعني حسب هذا النظام أن لكل إنسان الحق في أن يعيش حياته الخاصة كما يشاء، شريطة عدم التعدي على الحياة الخاصة للآخرين. فله أن يتزوّج، وله أن يعاشِر أية امرأة دون زواج ما دام ذلك برضاها. وله أن يمارِس الشذوذَ الجنسي ما دامت هذه الممارسة ليس فيها طرف قاصر. وللإنسان حسب الحرية الشخصية أن يأكل ويشرب ويلبس ما يشاء ضمن حدود النظام العام، ولا وجود عند الرأسماليين المنادين بهذه الحرية لحرام أو حلال في السلوك الشخصي للإنسان، ما دام هذا الإنسان مؤهلاً للتصرف قانونياً، الأمر الذي يتفاوت بين مجتمع وآخر ومن حين لآخر.
ولا أثر للدين في هذه الحرية. فالنظام منفصل عن الدين حسب الشرعة الرأسمالية. ونتيجة لتطبيق هذه الحرية في الـمجتمعات الرأسمالية انتشرت الرذيلة، وأصبح الرجال والنساء يعيشون مع بعضهم دون رباط شرعي، بل ويعيش الرجال مع الرجال والنساء مع النساء، ويقيمون علاقات شاذة فيما بينهم وتحت حـماية القانون. وقد تفشّى الشذوذ الشخصي وليس الجنسي فقط في الـمجتمعات الرأسمالية نتيجة للحرية الشخصية، وظهرت صرعات لا تخطر على البال. وما الأفلام والـمجلات الخلاعية، وخدمات الهاتف الجنسية، ونوادي العراة، والهيبيون وأمثالهم، إلا شاهد على الانحراف والشذوذ اللذين تردَّت فيهما الـمجتمعات الرأسمالية بفضل الحرية الشخصية.
وما يشاهَد من تفاوت بين مجتمع رأسمالي وآخر في ممارسة هذه الحرية، يعود لنشوء المجتمعات الرأسمالية وتدرجها في تطبيق المبدأ الرأسمالي.
فقد نشأت في هذه الـمجتمعات على أنقاض نظام الإقطاع والأعراف الكنسية التي سادتها في ظل هذا النظام. ولم يكن من الممكن تغيير هذه الأعراف بين عشيّة وضحاها. فانقسم الرأسماليون بين منادٍ بتقويض تلك الأعراف دفعة واحدة على الفور وبين منادٍ بضرورة أخذ واقع الـمجتمعات وأعرافها السائدة بعين الاعتبار، والعمل على التخلص من القيم والتقاليد والأعراف القديمة بالتدريج.
وقد سُمِّيَ الذين نادوْا بتطبيق الحريات بوتيرة سريعة بالأحرار أو المتحررين (الليبراليين)، وسُمِّيَ الذين نادوا بتطبيق الحريات تدريجياً بالـمحافظين، ونشأت بين الفئتين فئة وسطية سُمِّيَ أصحابها بالوسطيين أو المعتدلين الذين انقسموا بدورهم إلى فئات: بعضهم أكثر ميلاً للمحافظين سُمّوا بيمين الوسط، وبعضهم أكثر ميلاً للأحرار سُمّوا بيسار الوسط. ولا تزال الـمجتمعات الرأسمالية فيها هذه التيارات حتى اليوم.
وهكذا فإنه لا يجوز لمسلم أن يَقبل بالحرية الشخصية لأنها تبيح ما حَرَّم الله، فضلاً عن كونها مصدراً للأمراض الاجتماعية المختلفة. فالحرية الشخصية هي حرية الزِّنى والشذوذ الجنسي والتهتُّك وشرب الخمر وما إلى ذلك من آفات.
هذه هي الحريات الأربع الأساسية التي دعا إليها المبدأ الرأسمالي، والتي تطبقها الدول الرأسمالية، بل ويصف الرأسماليون مبدأهم بها أحياناً فيقولون «المبدأ الحر».
وهي جـيعاً مناقِضة للإسلام، ولا يجوز قبولها أو الدعوة لها. وهذه الحريات هي الأصل الذي انبثقت عنه ما تُسمَّى «حقوق الإنسان»، التي تدعو لها أميركا، كما يدعو لها ويتباهى بها بعض حكام المسلمين ومَن حولهم من الـمحسوبين على الإسلام، إلى جانب المضبوعين بثقافة الغرب، والمضلَّلين من السُّذَّج. ومَن يدعو لها من المنتمين للإسلام فهو إما جاهل، وإما فاجر، وإما كافر. فمَن لا يُدرِك تناقض «حقوق الإنسان» مع الإسلام، ولكنه يدعو لها عصياناً وفسقاً فإنه فاجر، وأما مَن يؤمن بها كما هي على حقيقتها، أي باعتبارها منبثقة عن عقيدة فصل الدين عن الحياة التي هي عقيدة كفر، ويدعو لها على هذا الأساس، فإنه كافر دون أدنى ريب، لأنه والحالة هذه لا يعتنق عقيدة الإسلام.
و «حقوق الإنسان» بهذا المسمى نادت بها الثورة الفرنسية (1789م) وألحقتها كوثيقة في دستورها الذي صدر عام 1791م. ومِن قَبْلها نادت بهذه الحقوق الثورة الأميركية (1776م). وإجمالاً فإن سائر الدول الأوروبية تبنّتها في القرن التاسع عشر. غير أنها ظلت شأناً داخلياً لكل دولة.
ولم تتحوّل «حقوق الإنسان» إلى شِرعة دولية إلا عقب الحرب العالمية الثانية، وبعد إنشاء الأمم المتحدة، وذلك عام 1948م حين صدر «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان». وفي عام 1961م أُلحِق به ما سُمِّي «العهد الدولي بشأن حقوق الإنسان المدنية (القانونية) والسياسية». كما صدر في عام 1966م ما سُمِّي «العهد الدولي بشأن حقوق الإنسان الاقتصادية والثقافية والاجتماعية».
غير أنها ظلّت شِرعة دولية فقط، ولم يبدأ العمل لجعلها شرعة عالمية، أي شرعة تتبناها الشعوب وليس الدول فقط إلا عام 1993م، أي بعد عاميْن من سقوط الاشتراكية وتفرُّد المبدأ الرأسمالي دولياً. فقد انعقد في (فينّا) مؤتمر للمنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان في ذلك العام، صدر عنه ما سُمِّي «إعلان (فينّا) للمنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان»، الذي أوصت مجموعة العمل فيه بالتأكيد على «عالمية حقوق الإنسان»، وتطبيقها بالتساوي على مختلف الأنماط الثقافية والقانونية، ورفْض الادّعاء بأن هذه الحقوق تتباين بين مجتمع وآخر. وهذا يعني رفْض أخذ الإسلام بعين الاعتبار عند تطبيق «حقوق الإنسان» في بلاد المسلمين.
وللتأكيد على «حقوق الإنسان» كشرعة دولية، اتخذتها الولايات المتحدة ركيزة من ركائز سياستها الخارجية، وذلك في أواخر السبعينيات (في عهد الرئيس كارتر). وصارت وزارة الخارجية الأميركية منذ ذلك الحين تُصدِر تقريراً سنوياً حول تقيّد دول العالم بتطبيق هذه الحقوق، ومدى السماح لرعاياها بممارستها. ودأبت منذ ذلك الحين على اتخاذ مواقف من الدول التي تَرى واشنطن أنها لا تتقيد بمقتضيات هذه الحقوق. ومِن ذلك ربطها بين مبيعات القمح الأميركي للاتحاد السوفييتي وبين سماحه بهجرة اليهود السوفييت إلى الكيان الإسرائيلي في فلسطين. كما اتخذت أميركا «حقوق الإنسان» ذريعة للتدخل العسكري في هاييتي عام 1994م. وكما هو حال السياسة الخارجية الأميركية بوجه عام، فإن سياسة واشنطن المرتكِزة على «حقوق الإنسان» تجاه دول العالم انتقائية. فهي تغض الطرْف عن خرق هذه الحقوق في الدول التي ترى أن من مصلحتها عدم إثارتها معها، وتكتفي إزاء بعض الدول بالتنديد الكلامي، بينما تتخذ إزاء دول أخرى إجراءات عسكرية كما فعلت تجاه هاييتي، أو إجراءات اقتصادية أو تجارية كما فعلت تجاه الصين، أو إجراءات سياسية أو دبلوماسية كما فعلت تجاه دول أخرى، وذلك كله وفق مقتضيات المصالح الأميركية، ومتطلبات الهيمنة والسيطرة على دول معيَّنة.
غير أن الأصل في رفض «حقوق الإنسان» مِن قِبل المسلمين هو كونها من المبدأ الرأسمالي بعقيدته الفاسدة، وكونها تعبيراً عن نظرة هذا المبدأ للفرد والـمجتمع، وأنها تفصيل للحريات الأربع التي نادى بها، فعقيدة هذا المبدأ وكل الأفكار النابعة منها أو المبنية عليها تتناقض مع الإسلام جـملة وتفصيلاً، ويجب على المسلمين نبذها ودحضها والتصدي لمروِّجيها.
|