11-18-2007, 02:28 PM
سـيـاسـات الســـوق
والشعار الرابع الذي ترفعه أميركا والغرب في الحملة العالمية لجعل المبدأ الرأسمالي دين البشر جـميعاً، وبضمنهم المسلمون، هو شعار «سياسات السوق».
وسياسات السوق في هذه الحملة تطبيق دولي لحرية التملك المنبثقة عن عقيدة المبدأ الرأسمالي، أي هي تطبيق لحرية التملك على العلاقات التجارية بين الدول.
ويُقصَد بسياسات السوق تخفيف أو إنهاء تدخّل الدول في التجارة بوجه خاص، وفي الاقتصاد بوجه عام. ولذلك تعمل أميركا لحمل دول العالم على رفع الحواجز الجمركية والقيود مهما كان نوعها من أمام التجارة الدولية، بما في ذلك سياسات الحماية التجارية المباشرة كمنع استيراد سلع معيَّنة حـماية لسلع مماثلة منتَجة محلياً من المنافسة؛ أو غير المباشرة كالرسوم الجمركية العالية على بعض الواردات، أو سياسات دعم بعض المنتجات الـمحلية، أو وضع سقوف لحجوم التبادل التجاري. وتهدف أميركا من فرض سياسات السوق على الدول إلى تحويل العالم إلى «سوق حرّة»، وفتح أسواق هذه الدول أمام الاستثمارات الأجنبية، وجعلها تتخلى عن دورها في إدارة اقتصادها بحملها على خصخصة القطاع العام، وخصوصاً في الدول التي يشكل القطاع العام نسبة عالية من اقتصادها، باعتبار ذلك حائلاً أمام بروز القطاع الخاص (ملكية الأفراد) وتناميه.
ولتحقيق هذا الهدف سعت أميركا ومعها الدول الرأسمالية الرئيسية لعقد اتفاقات دولية للتجارة، وإنشاء تكتلات اقتصادية كالنافتا (تتألف من كندا والولايات المتحدة والمكسيك)، والسوق الأوروبية المشتركة، وإيباك (وتتألف من دول النافتا وأستراليا ونيوزيلاندة واليابان مضافاً إليها ما تسمى نمور آسيا وأندونيسيا وكلها مطلّة على المحيط الهادي). كما اتَّخذت من نادي الدول السبع الغنية أداة لصنع القرارات الاقتصادية والمالية والتجارية الدولية ولضمان متابعة تنفيذها، تمهيداً لجعلها شرعة دولية، وخاصة ما يتعلق منها بالناحية التجارية.
وقد ظلت «الغات» (الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية) المرجعية للتجارة الدولية حتى العام الماضي. وكانت تَلتزِم بها جـميع دول العالم تقريباً، سواء الدول الموقِّعة عليها أو غير الموقِّعة. ولكن لكون هذه الاتفاقية تقتصر على تنظيم العلاقات التجارية بين الدول، ولا شأن لها بإدارة هذه الدول لسياساتها الاقتصادية والتجارة الداخلية، فإن الولايات المتحدة وجدتها غير كافية لتحقيق أغراضها، فعملت على إيجاد اتفاقية بديلة لها على هيئة منظمة سمَّتها «منظمة التجارة العالمية»، أُعلن عن إنشائها في المغرب العام الماضي من جانب الدول التجارية الرئيسة في العالم. ولن يطول الوقت حتى توقِّع معظم دول العالم على الاتفاقية الجديدة، وتنضم للمنظمة الجديدة، نتيجة للضغوط التي تمارسها أميركا عليها لهذا الغرض.
وأهم ما يميِّز الاتفاقية الجديدة أنها تتيح للدول الرأسمالية الغنية والنافذة، وعلى رأسها أميركا، التدخل في الشؤون التجارية والاقتصادية بوجه عام للدول الملتزمة بها، مِن خلال الأنظمة التي تضعها الدول النافذة.
ولا يخفى أن الهدف الرئيس لأميركا والدول الرأسمالية من تدويل سياسات السوق هو فتح أسواق سائر دول العالم أمام منتجاتها المتفوِّقة، وأمام استثماراتها، لكي تظل ما تُسَمَّى بالدول النامية تحت سيطرتها التجارية والاقتصادية، وللحيلولة دون تمكينها من بناء اقتصادها على أسس قوية راسخة قد تؤدي لتحريرها من التبعية الاقتصادية للدول الغنية، فلا تعود أسواقاً للبضائع الاستهلاكية التي تنتجها الدول الغنية. فالدول النامية إذا ظلّت تحت السيطرة لن تستطيع تحويل اقتصادياتها إلى اقتصاديات منتِجة تعتمد على الصناعة الثقيلة التي لن تقوم بدونها قائمة.
ولذلك لا يجوز للمسلمين القبول بسياسات السوق التي تروِّج لها أميركا والغرب بوجه عام، لأنه إلى جانب كوْن هذه السياسات تطبيقاً لحرية التملك التي ينادي بها النظام الرأسمالي، والمناقِضة للإسلام وأحكامه، فإنّ مِن شأن التزام البلاد الإسلامية بها تمكين الكفار من السيطرة على اقتصادها، والحيلولة دون انعتاقها من رِبقة الكفر والكفار، الأمر الذي حرّمه الله تعالى بقوله ]وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ للكافِرين على المؤمنينَ سبيلاً[.
صحيح أن الإسلام يحرِّم فرض الرسوم الجمركية (المكوس) على التجارة، لقول الرسول r: «لا يَدْخُلُ الـجَـنّة صاحِبُ مكْس» ولا يبيح فرضها على التجار من رعايا الدولة الإسلامية مطلقاً، بغض النظر عن منشأ البضاعة، لأن الإسلام في سياسته التجارية لا يَنظر لمنشأ البضاعة وإنما لتابعية التاجر، وصحيح أنه لا يبيح فرضها على التجار من أية تابعية كانوا إلا من باب المعاملة بالمثل، إلا أن ذلك لا يعني بحال أن سياسات السوق متَّفقة مع الإسلام، وبالتالي لا مانع من الالتزام بها. فلو تشابهت بعض أحكام الإسلام مع أحكام واردة في نظام آخر في بعض الوجوه، فإن ذلك لا يبيح للمسلمين أخْذ أحكام من غير الإسلام. كما أن ذلك لا يُسَوِّغ للبعض أن يُطلِقوا على نظام الإسلام نعوت الكفر لـمجرد ما يتراءى لهم من وجود تشابه بين ما دعا إليه الإسلام وبين ما قالت به المبادئ الأخرى، كوصفه بالاشتراكية (كما فعل شوقي حين قال مخاطباً الرسول r «الاشتراكيون أنت إمامهم» أو كما يصف البعض الشورى التي نادى بها الإسلام بأنها ديمقراطية). فكل ما في الإسلام إسلام، وليس اشتراكية ولا ديمقراطية ولا غيرهما. هذا فضلاً عن كوْن الإسلام موجوداً قبل الاشتراكية وقبل الديمقراطية الرأسمالية.
وعلى هذا يجب على المسلمين أن يَرفضوا سياسات السوق لتناقضها مع الإسلام من حيث النظرة التي انبثقت عنها، ومن حيث الأساس الذي قامت عليه، ومن حيث ما يترتب على أخذها والالتزام بها من ضرر بليغ على المسلمين، ليس أقل وجوهه خطراً ربط اقتصاديات بلادهم بعجلة الاقتصاد الرأسمالي، مما يحول دون بناء هذه الاقتصاديات على أسس منتِجة، ويترتب عليه تمكين الكفار من الاحتفاظ بسيطرتهم على المسلمين وبلادهم.
هذه هي أبرز الشعارات التي تدعو لها أميركا والغرب في الحملة العالمية لجعل سائر الأمم والشعوب تعتنق الرأسمالية.
وبعد أن تَبيَّن فساد عقيدة هذا المبدأ، وفساد الأنظمة المنبثقة عنها، وبعد دَحْض ركائزها الفكرية الأساسية (الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان وسياسات السوق)، وبيان تناقضها مع الإسلام، فإنه لا يجوز لمسلم حتى أن يفكر ولو للحظة بقبول هذا المبدأ أو أخذ أي شيء منه.
ولا شك في أن حـملة أميركا هذه تستهدف الأمة الإسلامية بالدرجة الأولى، لأن هذه الأمة وحدها لديها مبدأ من شأنه أن يقف في وجه الرأسمالية، ولأن الكفار يعرفون تاريخها، الذي هو شاهد على ما يمكن أن تفعله هذه الأمة حين تعيش على مبدئها وتَحمِله رسالة للعالمين. وليس أدل على هذه الحقيقة من أن اميركا وهي تَسير في حـملتها لعولمة الرأسمالية تشن حمـلة أخرى لـمحاربة الإسلام سواء من خلال وصم كل المتمسكين به بالإرهاب، أو من خلال حَمْل حكام بلاد المسلمين العملاء على البطش بكل من يَعمل بإخلاص لإنهاض الأمة على أساس الإسلام، إلى جانب تشويه مفاهيم الإسلام وتحريفها بمساعدة هؤلاء العملاء وأذنابهم.
ولهذا فإن الخطر الذي يواجهه المسلمون هذه الأيام يفوق كل الأخطار التي تعرّضوا لها خلال تاريخهم كله.
فالحروب الصليبية استهدفت احتلال أجزاء من بلاد المسلمين؛ وهدم الخلافة (1924م) استهدف هدم الكيان الذي كان يصون وحدة هذه البلاد، ويحميها من الكفار، ويَحُول بينهم وبين نهب ثرواتها وتمزيقها وتطبيق أنظمة الكفر عليها. غير أن مَن شنّوا الحروب الصليبية، ومَن هَدموا الخلافة، لم يخطر ببالهم تحويل المسلمين عن عقيدتهم، ولم يَعملوا لتحقيق هذه الغاية. ولذلك فإن المسلمين سرعان ما شدّتهم عقيدتهم بعد الغزو الصليبي، ووحَّدت صفوفهم ليردّوا للصليبيين الصاع صاعيْن. كما أنهم لم يَطُل بهم الحال بعد هدم خلافتهم حتى شَدَّتهم عقيدتهم مرة أخرى، فدبَّت فيهم الحياة، وأخذوا يتحركون لبناء خلافتهم واستئناف حـمل رسالتهم.
أما الحملة الأميركية الحالية فإنها تستهدف القضاء على الإسلام من خلال حـمل المسلمين على نبذ عقيدتهم واعتناق عقيدة فصل الدين عن الحياة، واتخاذ الرأسمالية ديناً جديداً لهم، على أساسه يفكرون وعلى أنظمته يعيشون، ما يعني إبعاد الإسلام نهائياً عن حياتهم، بحيث لا يبقى منه سوى طقوس كهنوتية في دُور العبادة.
هذه هي حقيقة ما تدعو له أميركا، وما يروِّج له عملاء الغرب وأذنابه وأبواقه.
|