عرض مشاركة واحدة
    #2 (permalink)
Robin Hood
Banned
 
الصورة الرمزية Robin Hood
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
الدولة: اينما يوجد ثورة فانا هناك
المشاركات: 360
بمعدل: 0.33 مشاركة في اليوم
Robin Hood is on a distinguished road

معلومات إضافية
  الحالة :Robin Hood غير متواجد حالياً

اخر مواضيعي

افتراضي 12-29-2005, 10:41 AM


وفي تقديري أن هذا العمل لم يكن بتوجيه من أحد بل جاء تلقائياً وكنوع من الانسجام مع النفس .كانت كبرياء الناس وكرامتهم هي التي تملي عليهم تلك المواقف ، لأنه في حالات كثيرة كان الإنسان يتمنى الموت . والإسرائيليون اوصلونا إلى حالة نفسية من هذا النوع كنا قد تجاوزنا مرحلة الخوف والهلع ، وكان الخط الفاصل بين الحياة والموت قد سقط .

أصيبت ابنتنا الصغيرة جودي من قصف عشوائي من جماعة سعد حداد وكان ذلك سنة 1981 ، قبل الاجتياح كنت نائماً وسمعت الصراخ ثم حملتها وهي تصرخ وأجرينا لها عملية جراحية ، ولا نزال نعالجها .



ولكن مصيبتنا تتضاءل أمام مصائب الناس ، فهناك عائلات فقدت خمسة أو ستة شباب من أبنائها وأصبح البيت خاوياً ، همنا الشخصي لا يذكر. وكان يؤرقني طوال الوقت إحساس بالعجز عن الدفاع عن الناس ، فكيف أدافع عنهم برسم ؟ كنت أتمنى أن أستطيع أن أفدي طفلاً واحداً . إن ظروف الادجتياح من قسوتها أفقدت الناس صوابهم . مرة وأنا عائد إلى البيت مع ابني خالد وجدت رجلاً عارياً، كان الناس ينظرون إليه باستغراب ، ناديت على وداد ، زوجتي ، طلبت منها أن تنزل لي قميصاً وبنطلوناً . كان الرجل حجمه كبير فأحضرت قميصاُ من عندي وبنطلوناً من عند جارنا وألبسناه ، كان الرجل في وضع مأساوي جداً حاولت أن أسأله لكنه لم يتكلم . سألت عنه فعرفت أنه من صيدا وأنه عندما استمر القصف عدة ليال اضطر للخروج ليحضر لأولاده خبزاً أو شيئاً يأكلونه على أمل أن يجد دكاناً مفتوحاً ، لأن صيدا القديمة شوارعها مشقوفة وبالإمكان أن يسير فيها الإنسان بقدر نسبي من الأمان . لم يجد الرجل أي دكان مفتوح فعاد إلى بيته . ولكنه وجد البيت وقد تهدم على زوجته وأطفاله السبعة أو الثمانية ففقد توازنه .

وعندما أخذنا الإسرائيليون باتجاه البحر ، مررت من أمام هذا البيت فوجدت لافتة مكتوباً عليها بالفحم " انتبه هنا ترقد عائلة فلان " (للأسف نسيت الاسم ) هذه اللافتة كتبها هو بنفسه ، لأن الجثث كانت لاتزال تحت الردم . فقد الرجل عقله وسار في الشارع عارياً.

هذه صورة من صور المآسي وهي عديدة . كان البعض يسر أمام الدبابات الإسرائيلية ويهتف "تعيش الثورة ، تسقط إسرائيل، يسقط بيغن " في حالة فقدان التوازن .

بجوار بيتنا هناك ساحة ، جاءت جرافات كبيرة وتصورنا أن الإسرائيليين سيقيمون مواقع دبابات لهم ولكنهم كانوا قد لملموا الجثث في الشوارع وأتوا بها لدفنها في هذا المكان الذي أصبح مقبرة جماعية .

كل من عاش هذه التجربة رأى حجم المأساة ، البعض استطاع استيعابها والبعض الآخر فقد إتزانه . ومع ذلك لم يعد هناك خيار. كانت المرأة تدافع عن زوجها ، تعيد بناء بيتها ، تؤمن ماءها ، تطمئن على الاولاد في أي معتقل، تخرج في المظاهرات ، تطالب بالإفراج عن الرجال المعتقلين. وكانت إسرائيل تحصدهم حصداً بالرصاص . وهناك صديقة إيطالية صورت مشهد النساء اللاتي سقطن برصاص الجنود واستشهدن، لاحقها الإسرائيليون ومرغوها في الوحل ولكنها استطاعت الهروب وجاءت إلى البيت عند وداد زوجتي وغسلت الكاميرا ونشرت الصور التي التقطتها في مجلات غربية .

وفي هذه المرحلة كان الجيش الإسرائيلي يأتي بصحفيين إلى صيدا ويجعلهم يشاهدون كيف أن الجيش الإسرائيلي يقدم مياهاً للشرب للأطفال . ولم تكشف الصحافة المجازر التي جرت في صيدا . صحيح أن بعض الصحفيين كشفوا الذي حدث في صبرا وشاتيلا ولكن حتى هذا تم جزئياً في سياق هدف سياسي .




لم يكن الهدف من هذه المجازر البشعة قتل الآلاف من الفلسطينين ، إنما كان الهدف زجرنا بالمعنى النفسي . ولكن حتى إن مل البعض من النضال ، فهناك أجيال آتية وكما كنا نتعلم من الحزن في عيون آبائنا ، سوف يلتقط منا من يأتي بعدنا رسالة . جيلنا أعطى ولكن حجم المؤامرة علينا كان أكبر . الواقع العربي خدم أعداءنا / الواقع الدوزلي ومسائل أخرى كثيرة . ..شعبنا لا ينقصه قيادة بل حزب ، حزب يملك دليلاً نظرياً كاملاً يبدأ من نقطة الصفر. لو فهم من كلامي أني غير راض عن الثورة ساقول لك نعم أنا غير راض . أشعر أن فلسطين بحاجة إلى ملائكة ، جند الله ، ألف جيفارا ، أنبياء تقاتل ، قيادات حقيقية واعية تعرف كيف ترد . وبتقديري أن الانظمة العربية أجهضت ثورتنا ، وبتقديري أيضاً أن المقولة القائلة أن الفلسطينين وحدهم هم الذين عليهم تحرير فلسطين ، هي مقولة خائنة ، فكلنا نعرف ما هي طموحات إسرائيل بالنسبة لمصر ولبنان وسوريا .

وبعد الاجتياح بقيت شهراً في صيدا حاولت مثلي مثل غيري أن أرمم البيت وأن أواسي الناس واعزيهم ، أملأ ماء ، أنقل أشياء للناس ، إلخ ..ولكني كنت افكر ماذا أفعل وانتهيت إلى ضرورة الذهاب إلى بيروت حيث جريدة" السفير "وحيث بإمكاني أن أرسم .

ما زلنا أحياء ...بالصدفة!

مر وقت ظن فيه الناس أني مت ، إلى أن مرت إحدى الصديقات في صيدا واكتشفت أني موجود فأعطيتها رسومات لي لكي يطمئنوا في السفير ويتأكدوا من أني ما زلت حياً .

وكنت طوال الوقت افكر : ماذا أفعل ؟ وانتهى بي تفكيري إلى ضرورة الذهاب إلى بيروت ، فودعت زوجتي وأولادي وذهبت ، كان من الصعب أن أصل ليس فقط بسبب الإسرائيليين ولكن أيضاً بسبب الكتائب الذين كانت معرفتهم بأني فلسطيني سبباً كاتفياً لقتلي .

بدأت رحلتي ذات صباح باكر في سيارة ، ثم نزلت بين أشجار الزيتون في منطقة اسمها الشويفات واتجهت إلى بيروت مشياً ، ويومها التقيت بالكاتب المسحي السوري سعد الله ونوس الذي كان طالعاً باتجاه دمشق وكان لديه أخبار أني ميت ، ثم وصلت" السفير".

في بيروت التقيت بالكاتبين الفلسطينيين حنا مقبل (رحمه الله) ورشاد أبو شاور ، وكانا يصدران مجلة اسمها "المعركة " فصرت ارسم في" السفير" وأرسم في "المعركة "وأتسائل مالذي بإمكان المرء أن يفعله في مواجهة هذا القصف من الجهات الستة (من الأربع جهات ومن الجو والسيارارت المفخخة ) .وكما يقول الفلسطينيون " هنا يكون الموت موجب كثير" كان المواطن منا يشعر بالتقصير والعجز ويرحب بالموت .

وعشنا معاً نحن العاملين في السفير في تلك الفترة (وحتى البنات مرة طبخن معكرونة بلا لحم طبعاً ولاشيء ولكننا وجدناها أشهى أكلة . وكان معنا شاب مصري يعمل في الكانتين ويظل ساهراص معنا ويأتينا بالشاي والقهوة ) .كانت تجربة خاصة وحميمة وكان شغلنا هو رفع معنويات الناس بالكلمة ، وبالمانشيت ، بالرسم .

" السفير" قدمت لشبابها ، كما قتل الشاعر علي فودة وهو يوزع مجلة " الرصيف "التي كان يصدرها . كانت المسألة قدرية ، القذائف تصل الاطفال في الملاجيء .. وهكذا يشعر الإنسان أن بقاؤه حياً محض صدفة ، إذا جاءت القذيفة جاءت و إن لم تأتِ فذلك مجرد صدفة ، لم تكن هناك الفرصة أمام أحد ليحزن أو ليبكي . وأنا بكيت مرة واحدة بعد خروج المقاومة ومجزرة صبرا وشاتيلا . ولم يكن بكائي قهراً بقدر ما كان إعلاناً أني فلسطيني وأني أبكي الشهداء وأبكي الوضع . كنت أشعر بالوحشة . كثيراً من أصداقائي الحميمين كانوا قد ذهبوا وكنت أشعر أن البيوت من حولي فارغة . قبل ذلك كنت تلتقي في نفش تلك الشوارع بالمناضل المصري مع المناضل اللبناني مع المناضل الفلسطيني مع المناضل العراقي . والمرء يشعر بوجودهم ويتحامى فيهم ويستظل بهم ، ومع ذلك صار لبيروت بعد خروج المقاومة تقدرير خاص في نفسي .


وكنت أسأل نفسي كيف أعبر ؟ كنت أشعر بالعجز وأتصور أنه لا يوجد أي شاعر يقدر على تجسيد أي مشعد أو لحظة واحدة من لحظات بيروت ، ومع ذلك كنت أرسم .

وفي يوم كان القصف فيه عنيفاً جداً على بيروت ، من الجهات الست ، وتوقفت كل الصحف ما عدا " السفير" وأين نلجأ ؟ لجأنا إلى الدور الأارضي محل المطابع . واستمر القصف طوال الليل ولم يتركوا زاوية أو بيتاً إلا وقصفوه . وعندما خرجت فوجدت كل البيوت مصابة من فوق ومن تحت وانضافت إليها شبابيك جديدة . رسمت زهرة مقدماً لبنت - رمز بيروت – من الفجوة التي احدثتها القذيفة مع عبارة " صباح الخير يا بيروت " .


إن " صباح الخير" لليلة حالكة بهذا الشكل تكتسب معنى خاصاً تصور القاريء ، وبعد كل هذا القصف والموت ، يفتح الجريدة في الصباح ... فيرى الرسم ، ويرى أحداً يصبح على بيروت . كان ذلك كلقاءنا في الشارع بعد القصف نقبل بعضنا ونبتهج أننا ما زلنا أحياء وكل شيء يهون مادمنا ما زلنا أحياء ! .

و عندما بدأ الرحيل – وبالمناسبة لم استطع رؤية هذا المشهد الذي ربما يكون فيه مقتلي ...



لم أستطع الخروج لتوديع المقاومة ورؤية الناس وهي ترش الزهور والأرز على المقاتلين . أقول عندما بدأ الرحيل ومع أول سفينة غادرت الميناء ، رسمت فدائاً يترك السفينة الراحلة ويسبح عائداً إلى الشاطيء ، وهو يقول : " اشتقت لبيروت " .



  رد مع اقتباس
 
3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 64 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 88 89 90