أين هي؟ ها هي!
08-16-2006, 05:25 PM
أين هي؟ ها هي!
كان رجلا نحيلا، احمر الوجه، يرتدي بذلة بنية انيقة. وقميصا ابيض. وربطة عنق بنية ملائمة في وضوح. اذن، اين المشكلة؟ المشكلة ان الرجل كان يعدو بسرعة قصوى على رصيف «الهاي ستريت» في كنزنغتون. وبدا ان سرعته تفوق بكثير طاقة من هم في عمره. ويفترض فيه، في أبسط الأحوال، ان يرتدي ثيابا رياضية وحذاء من الكاوتشوك وان يمارس الرياضة في الحديقة القريبة! اذن، هناك مشكلة؟ اجل. طبعا هناك مشكلة. المشكلة ان الرجل لم يكن يريد الرياضة، وإلا لارتدى ثياب الركض. والركض بهذه السرعة أمر غير عادي لا يمارسه الهاربون. لقد كانت سرعته مثيرة للقلق والانتباه. رجل في مثل سنه، كما ترى. ثم في مثل اناقته. وقد فاتني ان الفت نظرك الى انها ليست اناقة الغني. بل هي اناقة البساطة. فالواضح ان الرجل ليس غنيا: قميصه الأبيض قديم وطقمه البني قديم. وحمرة وجهه عتيقة هي ايضا. لذلك، قلت في نفسي، ان لدى الرجل مشكلة ما! حسنا، ولماذا تعتقد ذلك؟ اسمع. نحن هنا لسنا أمام بطل من روايات اغاثا كريستي او ارثر كونن دويل. هذا الرجل ليس هاربا من أحد ولا هو يطارد أحداً. المشكلة انه رجل وحيد. ليس فقيرا الى درجة التسول او التشرد، لكنه وحيد. لذلك فهو يطارد نفسه. ويحاكي الآخرين دون ان يستوقفهم، لأن أحدا لن يتوقف ليرد عليه التحية أو الجواب. انه عجوز ووحيد. مدينة هائلة العدد ورجل وحيد. والمستوحدون من اهل المدن لا مكان لديهم يذهبون اليه. ولا رجال يتحدثون اليهم. لأن جميع الناس وحداء في المدن الكبرى. في القرى يأتي الكبار الى الساحات الصغيرة ويتجالسون ويتبادلون بقايا الحياة وآثار الذكريات. واحيانا يضحكون. وعندما يغادرون الساحة يشعرون ان ثمة مكانا سوف يعودون اليه في اليوم التالي: مقعد حجري وجريدة قديمة وبشر يعرفون بعضهم البعض. اما في المدن، فعندما يهجم العمر وتكبر الوحدة ويكبر الخوف ويشتد صوت الصمت، لا يبقى للرجل سوى ان يحدث نفسه، وان يركض بكامل ثيابه لكي يشعر انه لا يزال في الوجود، لم تطرده حياة المدينة بعد، ولا زحامها ولا وحشتها الكبرى. فكلما ازداد الزحام كبرت الغربة. وكلما تلاحقت الأجسام تباعدت النفوس. ويحزنني ان أراهم مستوحدين. احيانا على مقاعد الحدائق يطعمون الحمام. او يخاطبون الكلاب. او يعاتبون القطط لأنها ترفض الاقتراب. او يرمون فتات الخبز الى البط فيلتقطها ويسبح بعيدا من دون ان يمنحهم التفاتة او انحناءة.
واحيانا، يحاولون مواجهة الوحدة بطقم بني وقميص بيضاء وربطة بنية. ويركضون على الأرصفة مثل المجانين. يلاحقون انفسهم وتلاحقهم وحدتهم وتسحقهم المدينة وهي تقرأ نشرة الطقس. او مغامرات ديانا.
|