الرأي الذي يستنبطه المجتهد حكم شرعي
09-27-2005, 10:55 AM
الرأي الذي يستنبطه المجتهد حكم شرعي
تأخذ عملية صرف المسلمين عن التقيد بالحكم الشرعي صنوفاً من الأساليب، ومن أخبث هذه الأساليب ما يزعمه أفراد من الناس من أن رأي الأئمة المجتهدين كالشافعي أو جعفر الصادق أو أبي حنيفة ليس حكماً شرعياً وإنّما هو رأي له ولا يَلزم التقيد به، ويدّعون أن الحكم الشرعي هو نص القرآن أو الحديث فقط. ويترتب على هذا حصر الأحكام الشرعية فيما ورد به النص صراحة، ويُفهم منه بمجرد القراءة. وعلى ذلك تبقى مشاكل عديدة متجددة، ومسائل مختلفة طارئة لم يَرِد بها نص شرعي، فلا يوجد لها حكم شرعي، وإنّما يسير فيها كلٌّ برأيه، ويتحكم فيها العقل فيضع الحل الذي يراه، والحكم الذي يوافق هواه. وهذا لعمر الحق إثم مبين، وافتراء على الشريعة الإسلامية، وتعطيل للاجتهاد، وصرف للناس عن أحكام الإسلام، لأن الكتاب والسنّة وهما مصدر الشريعة الإسلامية، قد جاءا خطوطاً عريضة، ومعاني عامة، وقد جاءت نصوصهما ألفاظاً تشريعية، تدل على واقع ووقائع، فتُفهم فهماً تشريعياً، ويؤخذ فيها بمنطوقها وهو المعنى الذي دل عليه اللفظ، وبمفهومها وهو المعنى الذي دل عليه معنى اللفظ، وباقتضائها وهو المعنى الذي يقتضيه المنطوق والمفهوم. وهذه الألفاظ لها معان لغوية، ومعان تشريعية، ولها نصوص أخرى من الكتاب والسنّة تخصصها في حالة العموم، وتقيدها في حالة الإطلاق، وقرائن تعيّن المعنى المراد منها، والحكم الذي تقتضيه في دلالة الأمر على الوجوب أو الندب أو الإباحة، ودلالة النهي على التحريم أو الكراهة، وكونها خاصة في حادثة أو عامة في كل شيء، إلى غير ذلك مما تحويه نصوص القرآن أو الحديث. ولذلك تُفهم فهماً تشريعياً، لا فهماً ظاهرياً، ولا فهماً منطقياً. ولذلك يحصل الاختلاف من فهم النص الواحد، فيُعطى فيه رأيان مختلفان أو متناقضان.
هذا من ناحية الفهم أي من ناحية دلالة اللفظ. علاوة على الاختلاف في ثبوت نص الحديث من حيث اعتباره وعدم اعتباره، فيحصل الخلاف أيضاً في اعتبار الحكم الذي يؤخذ منه، وعدم اعتباره. وينتج عن هذا كله اختلاف في الآراء: في كون المعنى الفلاني هو الحكم الشرعي، أو المعنى المخالف له أو المغاير له، وكلها يدل عليها النص الشرعي، فكلها حكم شرعي، مهما تعددت واختلفت أو تناقضت، لأن الحكم الشرعي هو "خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد". وخطاب الشارع الذي جاء به الوحي يحتاج إلى فهم من المخاطَب حتى يصبح حكماً شرعياً في حقه، لأن النص يحتاج إلى فهم حتى يصبح موضع عمل. فخطاب الشارع يصبح حكماً شرعياً حين يُفهم من مدلول النص بعد أن يثبُت النص أنه قرآن أو حديث. وقبل ثبوت النص وفهم دلالته لا يعتبر حكماً شرعياً. وعليه فالذي جعل النص خطاب شارع هو فهمه. فالحكم الشرعي هو الرأي الذي يؤخذ من النص، وهو الذي يعتبر خطاب الشارع. ومن هنا كان رأي المجتهد حكماً شرعياً ما دام يستند فيه إلى الكتاب والسنّة، أو إلى ما دل عليه الكتاب والسنّة من الأدلة الشرعية.
وعليه، فآراء المجتهدين السابقين من أصحاب المذاهب وغيرهم، أحكام شرعية، وآراء المجتهدين اليوم أحكام شرعية، وآراء المجتهدين في المستقبل في كل مكان وزمان أحكام شرعية، ما داموا قد استنبطوها باجتهاد صحيح، مستندين فيها إلى الأدلة الشرعية. وقد أقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتبار فهم النص هو الحكم الشرعي، وأقر الاختلاف فيه. فإنه على اثر ذهاب الأحزاب في غزوة الخندق أمر عليه السلام مؤذناً فأذّن في الناس (من كان سامعاً مطيعاً فلا يُصلينّ العصر إلاّ في بني قريظة)، ففَهِم بعضهم ترك صلاة العصر في المدينة، فلم يُصلّوا حتى وصلوا إلى بني قريظة، وفَهِم البعض الآخر أن المقصود هو الإسراع فصلّوا العصر وذهبوا إلى بني قريظة بعد أداء صلاة العصر، وقد عرضوا ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم فأقرّ الفهميْن واعتبرهما. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يختلفون في فهم القرآن والحديث، ولهم في ذلك آراء مختلفة، وكل رأي من آرائهم حكم شرعي، وقد أجمعوا على أن الرأي الذي يفهمه أي مجتهد من النص حكم شرعي.
وعلى ذلك، فالسنّة وإجماع الصحابة يدلان على أن الرأي الذي يستنبطه أي مجتهد يعتبر حكماً شرعياً يجب التقيد به على مستنبِطه، وعلى كل من أقرّه على هذا الفهم، أو قلّده فيه.
|