|
|
|||||
|
| #1 (permalink) | |
|
شبابي جيد
![]() |
09-27-2005, 11:14 AM
عصمة الرسول
عصمة الأنبياء والرسل مسألة يحتّمها العقل، لأنه كونه نبياً أو رسولاً يحتّم أنه معصوم في التبليغ عن الله، إذ لو تطرق الخلل إلى إمكانية عدم العصمة في مسألة واحدة لَتطرّق الخلل إلى كل مسألة، وحينئذ تنهار النبوة والرسالة كلها. فثبوت أن الشخص نبي الله أو رسول من عند الله تعني أنه معصوم فيما يبلّغه عن الله. فعصمته في التبليغ حتمية والكفر بها كفر بالرسالة التي جاء بها وبالنبوة التي بُعث بها. أمّا عصمته عن الأفعال المخالِفة لأوامر الله ونواهيه، فالمقطوع به أنه معصوم عن الكبائر حتماً فلا يفعل كبيرة من الكبائر مطلقاً، لأن فعل الكبيرة يعني ارتكاب المعصية، والطاعة لا تتجزأ والمعصية لا تتجزأ، فإذا تطرقت المعصية إلى الفعل تطرقت إلى التبليغ، وهي تناقِض الرسالة والنبوة، ولذلك كان الأنبياء والرسل معصومين من الكبائر كما هم معصومون بالتبليغ عن الله. أمّا العصمة عن الصغائر فإنه قد اختلف العلماء فيها، فمنهم من قال إنهم غير معصومين عنها لأنها ليست معصية، ومنهم من قال إنهم معصومون لأنها معصية. والحق أن كل ما كان القيام به حراماً وما كان القيام به واجباً، أي جميع الفروض والمحرمات هم معصومون بالنسبة لها، معصومون عن ترك الواجبات وعن فعل المحرمات سواء أكانت كبائر أم صغائر، أي معصومون عن كل ما يسمى معصية ويصدق عليه أنه معصية، وما عدا ذلك مما هو خلاف الأوْلى فهم غير معصومين عنها، فيجوز عليهم فعل خلاف الأوْلى مطلقاً لأنه في جميع وجوهه لا يدخل تحت مفهوم كلمة معصية. هذا ما يحتمه العقل ويقتضيه كونهم أنبياء ورسل. وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبي ورسول فهو كباقي الأنبياء والرسل معصوم عن الخطأ فيما يبلغه عن الله تعالى عصمة قطعية دل عليها الدليل العقلي والشرعي. وما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبلّغ الأحكام إلاّ عن وحي، قال تعالى في سورة الأنبياء: (قل إنّما أنذركم بالوحي) أي قل لهم يا محمد إنما أنذركم بالوحي الذي أُنزل عليّ أي إنذاري لكم محصور بالوحي. وقال تعالى في سورة النجم: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى) وكلمة (وما ينطق) من صيغ العموم فهي عام يشمل القرآن وغيره ولا يوجد ما يخصصها بالقرآن لا من الكتاب ولا من السنّة فتبقى على عمومها أي أن جميع ما ينطقه من التشريع وحي يوحى ولا يصح أن تُخصص بأن ما ينطقه من القرآن فقط، بل يجب أن تبقى عامة شاملة للقرآن والحديث. وأمّا تخصيصها فيما يبلّغه عن الله من تشريع وغيره من الأحكام والعقائد والأفكار والقصص، وعدم شمولها للأساليب والوسائل لرسم المعركة أو تأبير النخل أو غيره فذلك لأنه رسول، والكلام عن رسول، والبحث فيما أُرسل به لا في غير ذلك، فكان موضوع الكلام هو المخصص، وصيغة العموم تبقى عامة في الموضوع الذي جاءت به فلا يكون حينئذ من قبيل التخصيص لقوله تعالى: (قل إنما أنذركم بالوحي)، ولقوله تعالى في سورة ص: (إن يوحى إليّ إلاّ أنما أنا نذير مبين)، فإنها تبين أن المراد هو ما أتى به من العقائد والأحكام وكل ما أُمر بتبليغه والإنذار به، ولذلك لا تشمل استعمال الأساليب أو أفعاله الجبلّيّة التي تكون من جِبِلّة الإنسان أي من طبيعة خلقته كالمشي والنطق والأكل.. الخ، وتختص بما يتعلق بأفعال العباد وأفكارهم لا بالوسائل والأساليب وما شابهها. فكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما أُمر بتبليغه من كل ما يتعلق بأفعال العباد والأفكار هو وحي من الله. ويشمل الوحي أقوال الرسول وأفعاله وسكوته، لأننا مأمورون باتباعه، قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وقال: (لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة)، فكلام الرسول وفعله وسكوته دليل شرعي، وهي كلها وحي من الله تعالى. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقى الوحي ويبلّغ ما يأتيه به عن الله تعالى، ويعالج الأمور بحسب الوحي ولا يخرج عن الوحي مطلقاً. قال تعالى في سورة الأحقاف: (إن أتّبع إلاّ ما يوحى إليّ)، وقال في سورة الأعراف: (إنّما أتّبع ما يوحى إليّ من ربي) أي لا اتّبع إلاّ ما يوحى إليه من ربي، فحصر اتّباعه بما يوحى إليه من ربه. وهذا كله صريح وواضح وظاهر في العموم، وأن كل ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم مما هو مأمور بتبليغه هو وحي فحسب. وكانت حياة الرسول التشريعية في بيان الأحكام للناس سائرة على ذلك، فإنه عليه الصلاة والسلام كان ينتظر الوحي في كثير من الأحكام كالظهار واللعان وغيرهما، وما كان يقول حكماً في مسألة أو يفعل فعلاً تشريعياً أو يسكت سكوتاً تشريعياً إلاّ عن وحي من الله تعالى. وقد كان يختلط على الصحابة في بعض الأحكام الحكم في فعل من أفعال العباد بالرأي في شيء أو وسيلة أو أسلوب فيسألون الرسول: أذلك وحي يا رسول الله أو الرأي والمشورة؟ فإن قال لهم وحي سكتوا لأنهم عرفوا أنه ليس من عنده، وإن قال لهم بل هو الرأي والمشورة تناقشوا معه وربما اتّبع رأيهم، كما في بدر والخندق وأُحد. وكان يقول لهم في غير ما يبلّغه عن الله: (أنتم أدرى بأمور دنياكم) كما ورد في حديث تأبير النخل. ولو كان ينطق في التشريع عن غير وحي لَما كان ينتظر الوحي حتى يقول الحكم، ولَما سأله الصحابة عن الكلام هل هو وحي أم رأي، إذ لأجاب من عنده أو لناقشوه من غير سؤال. وعلى ذلك فإنه عليه الصلاة والسلام كان لا يصدر في قوله أو فعله أو سكوته إلاّ عن وحي من الله تعالى لا عن رأي من عنده، وأنه عليه الصلاة والسلام معصوم عن الخطأ في كل ما يبلّغه عن الله تعالى. |
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|